الخليج اليوم
عام ثقيل الخطى يوشك أن يودع لنستقبل عاماً جديداً مثقلاً بإرث العام المنصرم، هناك أزمات عالقة نأمل أن تحل في العام الجديد، هناك مشاكل وقضايا مزمنة ترحّل من عام لعام دون حل، العالم العربي ينوء بأزماته ومشاكله، والتقارير السنوية التي ترصد الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية العامة للمنطقة العربية، لا تعطي انطباعاً إيجابياً رغم الجهود التي تبذلها الحكومات بهدف تحسين الأوضاع وتخفيف أعباء المعيشة وتحقيق الاستقرار والأمن، ومع كل ذلك فإن الآمال كبيرة في تحقيق انفراجة أو حلحلة لبعض القضايا المزمنة. وقد شهد الربع الأخير من العام الجاري بوادر ومؤشرات تدعو للتفاؤل سواء فيما يتعلق بالوضع الأمني في العراق الذي شهد انخفاضاً نسبياً ملموساً في مستوى العنف ما كان ليحصل لولا "صحوة" العراقيين أنفسهم وبالخصوص أفراد "العشائر" الذين أدركوا وتيقنوا أن الإرهاب المُتقنِّع بغطاء المقاومة إنما يستهدف العراقيين جميعاً شيعة وسُنة.
أما الوضع الفلسطيني فقد شهد تحركاً بعد مؤتمر "أنابوليس" وعودة لطاولة المفاوضات، وذلك بعد جمود استمر 7 سنوات وعبر سلسلة من الفرص الضائعة، وعسى أن يتحقق خلال العام الجديد ما يكون أساساً ثابتاً للحل الجذري للقضية. وكذلك دعونا نأمل في حل أو توافق لأزمة الرئاسة اللبنانية التي طالها مسلسل التأجيلات المتتابعة، ولعلها تحسم خلال ما بقي من العام ليستقبل اللبنانيون عاماً جديداً مختلفاً.. دعونا الآن نتساءل: ما موقع الخليج اليوم وما وضعه؟
الخليج اليوم وأقصد دول مجلس التعاون، هو الكيان العربي الأكثر انسجاماً والأكبر انفتاحاً على العالم والأعظم إشراقاً وأملاً. يستقبل الخليج العام الجديد وهو يشهد نهضة عمرانية غير مسبوقة، تنمية شاملة في كل القطاعات، واقتصاداً مزدهراً هو الأعلى عالمياً، وتعليماً متطوراً وخدمات اجتماعية وصحية عالية، والأهم من كل ذلك وجود بيئة اجتماعية وسياسية آمنة ومستقرة تتميز بكافة المرافق والخدمات الجاذبة لاستثمارات العالم، الخليج اليوم يكاد يكون المنطقة الأكثر حيوية والأكبر استقطاباً للاستثمارات شرقاً وغرباً. انظر اليوم إلى المشهد الخليجي العام وقارنه بما شئت من المشاهد الأخرى.. ماذا ترى؟
لقد أصبح الخليج اليوم حلم كل عربي بل وكل غير عربي، الجميع يطمحون في المجيء إلى هنا للعمل والإقامة والعيش.. من كان يظن -قبل سنوات قليلة- أن هذا المواطن الأوروبي وذاك الأميركي سيأتي ليدفع الملايين في سبيل الحصول على شقة مطلة على شاطئ الخليج؟ إنه في الحقيقة لا يشتري شقة على بحر أو حديقة، إنه يشتري (نوعية من الحياة الراقية) هي حلم كل إنسان. لكن دعونا نتساءل: كيف أمكن للخليجيين تحقيق كل ذلك؟ إنها الإرادة والتصميم من قبل قادة الخليج، وإنه الإخلاص والمصداقية والمسؤولية، صفات ثابتة وملازمة لقادة وحكام الخليج. لقد استشعر القادة المؤسسون قبل 26 سنة حجم المخاطر المحيطة بالخليج خلال حرب الخليج الأولى وأدركوا شدة الأطماع الإقليمية والدولية في موارد الخليج، فكانت إرادتهم الاجتماعية ضرورة تأسيس كيان خليجي متعاون وموحّد يكون عاصماً للمنطقة وحامياً لها أمام الرياح الهوجاء الخطرة، وفي عاصمة دولة الإمارات قبل 26 سنة ولد هذا الكيان الخليجي في ذلك الاجتماع التأسيسي الذي استضاف فيه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "رحمه الله" إخوانه القادة والحكام وترأس الاجتماع التاريخي وتم توقيع النظام الأساسي لمجلس التعاون.
ولم يكن للخليج أن يحقق ما ينعم به الآن من ازدهار لا مثيل له عالمياً لولا حرص القادة الحكماء وببصيرة نافذة، على المحافظة على الكيان الخليجي محصَّناً وقوي المناعة تجاه 3 آفات خطرة ومهلكة ومدمرة وهي:
1) الشعارات والوعود القومية الفاشلة. 2) الأيديولوجية الاشتراكية الشمولية المخربة. 3) أطروحات الإسلام السياسي الوهمية.
لقد تعلّم حكام الخليج من تجاربهم السياسية في الحكم من تراث آبائهم وأجدادهم، واستفادوا من دروس التاريخ وأدركوا مدى جناية تلك الشعارات والطموحات والأيديولوجيات على المجتمعات والشعوب العربية، وكيف دمرت الثروات وأذلت الشعوب وقادت إلى سلسلة من الهزائم المنكرة وإلى الفشل والإفلاس في كافة المشاريع العربية. لقد كانت المحصلة النهائية للتجارب الثورية العربية، الإخفاق التام في كل الوعود التي وعد بها الثوريون شعوبهم، فلا هم حرروا فلسطين بل زادوها ضياعاً وانقساماً، ولا حققوا التنمية لشعوبهم ولا أنجزوا الوحدة العربية بل زادوها فرقة، ولا أقاموا الديمقراطية الموعودة بل كتموا الحريات وبطشوا. إنه بعبارة مختصرة نصف قرن من الفشل والضياع والهزائم والإذلال، وهذا كله مما عصم الله الخليج منه ووقاه من أخطاره.
لقد تحقق حلم خليجي عظيم وهو إنجاز السوق الخليجية المشتركة التي تم الإعلان عن قيامها في قمة الدوحة مؤخراً، وبموجب هذه السوق يحق للخليجي أينما حلّ أو ارتحل في أقطار مجلس التعاون أن يتمتع بكافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المكفولة للمواطن، من حق التملك والاستثمار والعمل والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، كما لا يغيب عن بالنا ما تحقق من قبل ضمن مسيرة التعاون الخليجي وهو "الاتحاد الجمركي"، ولاشك أن الطموحات الخليجية أكبر وأعظم نحو تحقيق التكامل الاقتصادي، ولكن ما تحقق حتى الآن من إنجازات يقربنا من الهدف الأكبر، وهو في النهاية يمثل نجاحاً خليجياً متميزاً في مجال التعاون العربي، وبخاصة أن التعاون الخليجي يمثل نموذجاً ناجحاً في العمل المشترك في المجال العربي مقارنة ببيت العرب القديم -الجامعة العربية- الذي أخفق في كافة المشاريع المشتركة، ونموذج الاتحاد المغاربي المشلول، عسى أن يحقق "التعاون" ما يعوض العرب إخفاقات الجامعة.
ولكن هل معنى هذه النجاحات أنه لا توجد معوّقات ومنغّصات؟ ليس هذا المقصود والأمور في النهاية نسبية، هناك منغّصات تقلق الخليجيين لكنهم بأسلوبهم العقلاني السلمي يتعاملون معها بتصبّر وفق الأسلوب الذي سماه عبدالله بشارة -أول أمين للتعاون- سياسة "الأدب الجمّ" القائمة على العقلانية والواقعية وإيثار السلام والتسامح والصبر. لقد كانت إحدى تلك المنغّصات التي كدّرت العلاقات القطرية- السعودية ما كان بين قطر والسعودية من "تباينات" بحسب تعبير الأمين العام عبدالرحمن العطية، وتكفلت القمة الأخيرة باحتوائها وتجاوزها. لكن المنغّص الأكبر لحياة الخليجيين ما يمثله الجار الإيراني الكبير من توتر في المنطقة بسبب تمدده المتزايد وتدخله غير المشروع في الشأن الخليجي، وما يمثله برنامجه النووي من أخطار على المنطقة. لقد اقتضت حكمة القادة الخليجيين استضافة "نجاد" في قمتهم ليسمعوا منه مباشرة لا عبر الآخرين، لكنه ضيع الفرصة في طمأنة الخليجيين تجاه نواياه بسبب تصلبه الأيديولوجي وتعنته الاستعلائي، لقد كان مضمون خطابه للقادة وفيما معناه: اقبلوني في منظومتكم الأمنية والاقتصادية وافتحوا بلادكم لنفوذي وفكوا تحالفاتكم مع الكبار ودعوكم من موضوع الجزر والنووي، في مقابل أن أكفيكم تدخلاتي وتهديداتي! نسي "نجاد" أن الخليجيين صبورون ولا يحبون الإساءة إلى أحد، لقد خبروا من قبل جار السوء العربي وصبروا على أذيته طويلاً حتى أزاله الله بظلمه وعدوانه، ولذلك فهم قادرون على تحمل منغصات الجار المسلم ولا يريدون لإيران إلا خيراً ولا يحبون المغامرة والتهوّر، لكنهم لا ينسون حقهم المشروع في الجزر الإماراتية ولا يمكنهم أن يتساهلوا فيها أو يقفزوا عليها، بل هو موضوع أولي أمام أي مشروع للتقارب مع إيران، كما أن الخليجيين لا ينخدعون بدعاوى إيران في سلمية نشاطها النووي وهم يرون تحركاتها الداعمة للتوتر في المنطقة في كل مكان في العراق ولبنان وفلسطين. الخليجيون واثقون في أطماع إيران أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة على الخليج حتى بدون النووي، فكيف إذا أصبح عندها النووي؟ وهذا يؤكد أنه لا جدوى من الحوار مع المتصلبين أيديولوجياً، لذلك على الخليجيين دعم المعتدلين في إيران، لا خيار آخر.